عاجل

العراق أمام اختبار جديد.. أزمة الطيران الإيراني تفتح باب التصعيد السياسي والشارعي عاجل

تتجه أزمة وقف الرحلات الجوية الإيرانية إلى العراق نحو مستوى أكثر حساسية، بعدما انتقلت من ملف يرتبط بالعقوبات الأميركية وشركات الطيران والخدمات الأرضية إلى مواجهة سياسية داخلية تتداخل فيها قضية السيادة، ونفوذ الفصائل، وعلاقة بغداد بكل من واشنطن وطهران.

وجاء التصعيد الأبرز في الموقف المنسوب إلى الأمين العام لحركة النجباء الشيخ أكرم الكعبي، الذي دعا، وفق النص المنشور، إلى الاستعداد للاعتصام في المطارات العراقية إذا لم تتم معالجة الأزمة وإعادة انسيابية حركة الطيران مع إيران.

وقال الكعبي إن الحديث عن السيادة في ظل ما وصفه بالهيمنة الأميركية يمثل «كيلاً بمكيالين»، منتقداً مواقف القوى السياسية العراقية، ومعتبراً أن وقف الرحلات يشارك في فرض حصار يؤثر في حركة ملايين المسافرين والزوار وفي الاقتصاد العراقي.

وأضاف، بحسب النص المتداول:

«نحن لا ننتظر طويلاً، فإن لم يتم معالجة الأمر والخروج من الهيمنة الأمريكية وعودة انسيابية الطيران مع الجمهورية الإسلامية، فإننا ندعو الشعب العراقي الحر ومضايف خدام الإمام الحسين والمواكب الحسينية وزوار الإمام الرضا عليه السلام للاستعداد إلى الاعتصام في المطارات العراقية لحين كسر القرار الأمريكي الظالم».

من أزمة طيران إلى أزمة سياسية

التطور لا يمكن قراءته باعتباره مجرد اعتراض على إلغاء عدد من الرحلات.

مطار النجف الدولي أعلن رسمياً إيقاف جميع الرحلات الجوية القادمة والمغادرة من وإلى إيران اعتباراً من الساعة الثانية فجر الجمعة 25 أيلول/سبتمبر وحتى إشعار آخر، مشيراً إلى أن القرار جاء استناداً إلى «توجيهات رسمية صادرة عن الجهات المختصة». Nina News

وفي الوقت نفسه، أفادت رويترز بتعليق الرحلات الإيرانية في مطاري أربيل والسليمانية، بعد توقفها أيضاً عبر بغداد والنجف، ما أدى عملياً إلى توقف الرحلات الإيرانية عبر المطارات العراقية الرئيسية التي كانت تستقبلها. Reuters

وتزامنت هذه الإجراءات مع دخول قيود أميركية جديدة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني حيز التنفيذ، وتهديد الجهات التي تقدم خدمات لبعض شركات الطيران الإيرانية بعقوبات ثانوية أميركية. Al Jazeera

هنا يبدأ جوهر الأزمة العراقية.

فبغداد لا تتعامل فقط مع قرار متعلق بالطيران المدني، بل مع معادلة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية العراقية، والضغط الأميركي، والعلاقة الاستراتيجية مع إيران، إضافة إلى موقف قوى وفصائل عراقية تعتبر الاستجابة للضغوط الأميركية مساساً بسيادة البلاد.

دلالة الدعوة إلى الاعتصام في المطارات

دعوة أنصار ومواكب وزوار إلى التحرك باتجاه المطارات ترفع مستوى الضغط بصورة واضحة.

المطارات ليست ساحات احتجاج تقليدية، بل منشآت سيادية وأمنية مرتبطة بحركة طيران دولية وبأمن المسافرين والشركات والبعثات الدبلوماسية.

وعليه، فإن انتقال التحرك من البيانات السياسية إلى تجمعات فعلية عند المطارات سيضع الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة التعقيد.

فإذا سمحت بالاعتصامات داخل محيط المنشآت التشغيلية، قد تواجه اضطراباً في حركة الطيران وإشكالات أمنية واقتصادية.

أما إذا قررت منعها بالقوة أو إقامة أطواق أمنية مشددة حول المطارات، فقد تتحول أزمة الطيران الإيراني إلى مواجهة سياسية وشارعية مباشرة بين الدولة وقوى تمتلك حضوراً سياسياً وشعبياً وتنظيمياً كبيراً.

ولهذا، فإن عبارة «لا ننتظر طويلاً» الواردة في موقف الكعبي تحمل دلالة سياسية مهمة؛ فهي تضع الأزمة ضمن إطار زمني ضاغط بدلاً من انتظار تسوية دبلوماسية مفتوحة.

بغداد بين ضغطين

الحكومة العراقية تتحرك في مساحة شديدة الضيق.

من جهة، ترتبط قطاعات مالية وتجارية عراقية بصورة وثيقة بالنظام المالي العالمي، وبالتالي فإن تجاهل العقوبات الثانوية الأميركية يمكن أن يرتب أثماناً كبيرة على شركات عراقية ومؤسسات مالية ومقدمي خدمات.

ومن جهة أخرى، تتمتع إيران بعلاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة داخل العراق، فيما تشكل حركة الزوار بين البلدين قطاعاً واسعاً يمتد من السياحة الدينية إلى النقل والتجارة والخدمات.

ولهذا، فإن أي توقف طويل للرحلات لا تبقى تداعياته محصورة بشركات الطيران، بل تصل إلى آلاف المسافرين والشركات والفنادق وقطاعات النقل والمناطق الدينية، ولا سيما النجف وكربلاء.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أهمية الرحلات الإيرانية تحديداً بالنسبة لمطار النجف؛ إذ أظهرت جداول المطار قبل قرار التعليق أن غالبية رحلاته الدولية في أحد الأيام كانت مرتبطة بمدن إيرانية. شفق نيوز..

إيران ترفع سقف خطابها أيضاً

التصعيد لا يقتصر على القوى العراقية القريبة من طهران.

فقد صدرت من الجانب الإيراني مواقف حادة تجاه القيود الجديدة على الطيران، بينها تصريحات لمساعد ومستشار المرشد الإيراني محمد مخبر ربط فيها استمرار حركة الطيران في المنطقة بمبدأ المعاملة بالمثل، وسط تهديدات بتداعيات على مطارات الدول المشاركة في القيود. التلفزيون العربي

وبالتالي، فإن الملف يتجاوز تدريجياً حدود العراق ليصبح جزءاً من المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

لكن العراق يمثل حالة أكثر حساسية من دول أخرى بسبب تشابك القوى الداخلية مع هذه المواجهة.

الاختبار الحقيقي: من يملك القرار؟

التطورات الحالية تعيد طرح سؤال أعمق من قضية الطيران نفسها: ماذا يحدث عندما يتعارض قرار تتخذه الدولة العراقية أو مؤسساتها تحت ضغط اقتصادي خارجي مع موقف قوى سياسية وفصائل مسلحة تمتلك نفوذاً واسعاً في الداخل؟

إذا تمكنت الحكومة من احتواء الأزمة عبر تفاهمات تسمح بمعالجة وضع الرحلات من دون مواجهة مفتوحة، فقد يبقى التصعيد ضمن حدوده السياسية.

أما إذا بدأت التعبئة باتجاه المطارات، وأصبح وقف الرحلات عنواناً لتحركات شعبية واسعة، فستتحول المسألة إلى اختبار لسلطة الدولة على منشآتها السيادية.

ولا توجد حتى الآن معطيات كافية تسمح بالقول إن العراق ذاهب حتماً نحو صدام أمني، لكن مجموعة المؤشرات الحالية تشير إلى أن الأزمة تجاوزت مرحلتها الفنية ودخلت بالفعل مرحلة التصعيد السياسي.

السيناريوهات المقبلة

المسار الأول يبقى تسوية سياسية أو تقنية سريعة تسمح بإعادة جزء من حركة الطيران، أو إيجاد صيغة تقلل تعرض المؤسسات العراقية للعقوبات.

المسار الثاني هو استمرار وقف الرحلات مع تصاعد البيانات والضغط السياسي والتظاهرات من دون محاولة تعطيل المطارات.

أما المسار الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيبدأ إذا تحولت دعوات الاعتصام إلى تحرك واسع عند المطارات، خصوصاً بغداد والنجف، واضطرت القوات الأمنية إلى التدخل.

عندها لن يعود الخلاف حول شركات الطيران، بل حول حدود سلطة الحكومة وقدرتها على تنفيذ قراراتها داخل منشآت سيادية في مواجهة قوى تعلن صراحة رفضها للقرار.

الخلاصة

المشهد العراقي يتجه إلى تصعيد سياسي وشارعي محتمل، وليس إلى مواجهة عسكرية مؤكدة.

أزمة الطيران الإيراني أصبحت نقطة تقاطع بين العقوبات الأميركية ونفوذ إيران داخل العراق ومفهوم السيادة العراقية نفسه.

والعامل الحاسم خلال الساعات والأيام المقبلة سيكون الانتقال ــ أو عدم الانتقال ــ من خطاب «الاستعداد للاعتصام» إلى تحرك فعلي على الأرض.

فإذا بقيت الدعوات في حدود الضغط السياسي، ستظل هناك مساحة واسعة للتسوية.

أما إذا وصلت الحشود إلى المطارات، فإن بغداد قد تجد نفسها أمام واحد من أكثر اختبارات السلطة والسيادة حساسية في المرحلة الحالية.


المصادر

رويترز – مطارات عراقية تعلق الرحلات من وإلى إيران، 25 أيلول/سبتمبر 2026. Reuters
رويترز – التقرير الكامل

وكالة الأنباء الوطنية العراقية «نينا» – إدارة مطار النجف تقرر إيقاف جميع الرحلات الجوية مع إيران، 25 أيلول/سبتمبر 2026. Nina News
نينا – قرار مطار النجف

شفق نيوز – Najaf Airport halts flights to and from Iran، 24 أيلول/سبتمبر 2026. شفق نيوز..
شفق نيوز – تفاصيل قرار النجف

الجزيرة – إلغاء رحلات بغداد ومسقط مع دخول العقوبات الأميركية على الطيران الإيراني حيز التنفيذ، 22 أيلول/سبتمبر 2026. Al Jazeera
الجزيرة – تفاصيل قيود الطيران

التلفزيون العربي – قيود الطيران على إيران والتصعيد الإيراني رداً عليها، 25 أيلول/سبتمبر 2026. التلفزيون العربي

newsrotana.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى